دكالة 24: متابعة
منذ الأزل، لم يكن طريق المرأة المغربية نحو التمكين مفروشًا بالورد، بل كان حافلًا بالتحديات والنضالات التي صقلت مسيرتها ورسخت مكانتها. فمن الكفاح لأجل استقلال الوطن، إلى مواجهة القيود الاجتماعية، وصولًا إلى اعتلاء المناصب القيادية، أثبتت المرأة المغربية أنها ليست مجرد شريك في التنمية، بل قوة دافعة ومحورية في بناء المجتمع وتقدمه.
المرأة المغربية من النضال وحتى تحقيق الاستقلال:
لم يقل دور المغربية عن دور الرجل في سبيل استقلال الوطن، ولم يكن كذلك ثانويا. بل لعبت إلى جانب المناضل المغربي دورا محوريا في المقاومة ضد الاستعمار، من خلال العمل السياسي والمسلح والتعبئة الشعبية.
فكانت مليكة الفاسي أنسب مثال لهذا. المناضلة السياسية والكاتبة والناشطة الاجتماعية، ولدت عام 1919، وانظمت للحركة الوطنية المغربية لمقاومة الاستعمار الفرنسي. وتعد مليكة السيدة المغربية الوحيدة، من أصل 66 سياسيا ممن وقعوا على وثيقة تطالب باستقلال المغرب من الحماية الفرنسية، مارست الصحافة وكرست جهدها للدفاع عن تعليم الفتيات وحقوق المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، توفيت في مدينة فاس عام 2007.
وثريا الشاوي، لم تقتصر شهرتها على كونها أول ربانة امرأة في العالم العربي، ولا الأصغر على الصعيد العالمي فقط، فكانت رمزا للنضال الوطني في فترة حاسمة من تاريخ المغرب. شقت طريقها عبر السماء، متحدية بهذا الاحتلال الفرنسي، إذ مثلت نموذجا رائدا للمرأة المغربية التي اقتحمت مجالات كانت حكرا على الرجال فقط، رغم القيود التي فرضها المستعمر.
وإلى جانب تفوقها في الطيران، كانت ثريا صوتًا وطنيًا يساند القضية المغربية، إذ استغلت شهرتها لدعم مطالب الاستقلال وإلهام النساء للانخراط في العمل الوطني. نجاحها المبكر واستقلالها المهني جعلاها هدفا للمخابرات الاستعمارية التي رأت فيها خطرا على نفوذها، خاصة وأنها كانت تحظى بدعم الوطنيين المغاربة.
ليست مليكة ولا ثريا الوحيدتين، بل عرف المغرب أسماء لنساء أخريات سرن على نهج المقاومة انطلاقا من مناصبهن وحتى استقلال المغرب من الحماية الفرنسية…
المكتسبات القانونية والاجتماعية: أي تقدم؟
لم يغفل المغرب عن تسليط الضوء على قضايا المرأة المجتمعية، وبهذا طور منظومة قانونية تدافع عن حقوق المرأة وتعززها.
وكان لمدونة الأسرة لسنة 2003 دور رئيسي في هذا، إذ جعلت القانون أكثر عدالة وتوازنا بين الزوجين، وحطت بمختلف القضايا القانونية التي تمس بحقوق المرأة المغربية.
فبعدما كانا تحت سلطة الزوج لوحده، أعطت مدونة الأسرة 2004 للزوجة الحق في رعاية الأسرة وتحمل مسؤوليتها إلى جانبه. ثم جعلت لها القدرة على طلب الطلاق من خلال آليات قانونية مثل الطلاق الاتفاقي أو الطلاق للضرر.
بعد مدونة الأسرة 2004، أصبح تعدد الزوجات مشروطا بموافقة الزوجة الأولى وبإذن من القاضي، فالأولى يحق لها طلب الطلاق إن لم توافق على التعدد، والثاني يمكنه أن يرفض الطلب إن كان الزوج على غير مقدرة من النفقة والعدل بين الزوجتين.
وعززت المدونة حق الأم في حضانة أبناءها حتى بعد الزواج مرة أخرى، بعدما كان يسقط عنها حق الحضانة تلقائيًا إذا تزوجت. وألزمت كذلك الرجل بضمان سكن المحضون ونفقته. ثم منحت حق الولاية الشرعية للأم في حالة غياب الأب أو عدم أهليته، مما يسهل اتخاذ القرارات المهمة بشأن الأطفال.
إجراءات كثيرة حملتها التعديلات على مدونة الأسرة، سهلت حياة المرأة المغربية وضمنت حقوقها وعززتها، وحافظت على كرامتها في الأوساط المجتمعية.
وفي خطوة مهمة لمحاربة العنف القائم على النوع الاجتماعي، أصدر المشرع المغربي قانون 103.13. ويهدف هذا القانون إلى توفير الحماية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد تهدف إلى ضمان الوقاية والحماية وعدم الإفلات من العقاب والتكفل الجيد بالضحايا.
هذا وسجلت وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، 54،4 في المائة من حالات العنف لدى النساء سنة 2018، مقابل 62،8 في المائة سنة 2009. وهو ما يعكس بداية المنحنى التنازلي للظاهرة بفعل الإجراءات الزجرية من خلال القانون الخاص بالعنف ضد النساء وباقي المبادرات المؤسساتية وتلك الخاصة بالمجتمع المدني.
مسألة أخرى تعكس التطور الاجتماعي والسياسي لفائدة نون النسوة في المغرب، يتلخص بنسبة المقاعد (الكوتا) المخصصة لهن في البرلمان المغربي. فبعد عقود من هيمنة الطابع الذكوري على المؤسسات التمثيلية، شرع المغرب منذ بداية الألفية في وضع تدابير انتقالية للتمييز الإيجابي لفائدة النساء في المجال السياسي، عبر سلسلة من الإصلاحات ترتب عنها تيسير ولوج المرأة للبرلمان بفضل إعمال الكوتا النسائية، التي أسهمت في التخفيف من وطأة التحيزات التي طالما كرست استحواذ الذكور على المجال الانتدابي. وأدى التحسين التدريجي لنظام الحصص إلى توسيع هوامش مشاركة النساء بالمؤسسات التمثيلية، وخاصة مجلس النواب وبدرجة أقل مجلس المستشارين، مع استحضار أكبر لمقارنة النوع الاجتماعي في بنية السلطة التنفيذية.
فمنذ الانتخابات التشريعية لعام 2002، شكل تطور المشاركة النسائية في الحياة السياسية في المغرب تحديا كبيرا للباحثين والباحثات في الميدان السياسي. إذ أن هذه الظاهرة لوحظت على صعيد التطور العددي في حين كان مصحوباً بانخفاض في التمثيل الفعلي للمرأة في مناصب صنع القرار. وقد نفذت الحكومات المختلفة التي تعاقبت على المغرب منذ ذلك الحين سلسلة من الإصلاحات والإجراءات التي تهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية للنساء، خاصة فيما يتعلق بمراعاة مبدأ التمييز الإيجابي، المعروف باسم نظام الكوتا.
وقد اقترن تنفيذ هذه الإجراءات بزيادة كبيرة في عدد النساء المرشحات والمنتخبات على المستويات الجماعاتية والمحلية والوطنية. فمثلاً، زاد عدد نائبات البرلمان من نائبتين في عام 1997 إلى 30 نائبة بعد تطبيق نظام الكوتا في انتخابات عام 2002، ثم ارتفع مجدداً ليصل إلى 96 نائبة في عام 2021. وقد أشادت الصحافة المحلية والدولية بهذه الزيادة حينها، حتى أنها أعلنت بعد انتخابات عام 2009، عن بزوغ عهد جديد للنساء. أما عن الأعمال التي تركز على تنفيذ نظام الكوتا النسائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -التي تعد واحدة من أدنى مناطق العالم في معدلات المشاركة السياسية للنساء فقد قدم كثير منها التجربة المغربية بوصفها فريدة ومميزة.
المرأة المغربية في القيادة: حضور قوي أم تمثيلية شكلية؟
مما لا شك فيه، أن الكثير من النساء المغربيات استطعن تحدي العوائق المجتمعية والسياسية والاقتصادية، فسطعت أسماؤهن في الشارع المغربي. هؤلاء النسوة برزن بقوة في أماكن القيادة التي كانت حكرا على الرجال دونهن، قلبن بذلك الموازين المتعارف عليها حول مناصب صنع القرارات.
نادية فتاح العلوي واحدة من هؤلاء النسوة التي تقلدن مناصب قيادية في الساحة السياسية المغربية. فالسياسية والمسيرة الأعمال المغربية، تشتغل تشغل منصب وزيرة الاقتصاد والمالية في الحكومة المغربية منذ سنة 7 أكتوبر 2021، وشغلت سابقا منصب وزيرة السياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والتضامن الاجتماعي في المغرب ما بين أكتوبر 2019 وأكتوبر 2021.
وكان صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في السادس من دجنبر من سنة 2018، قد عين السيدة أمينة بوعياش رئيسة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان. وشغلت، منذ فبراير 2016، منصب سفيرة صاحبة الجلالة لدى دولتي السويد ولاتفيا (ليتوانيا).
وانتخبت السيدة بوعياش على رأس أمانة التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في مارس 2022، كما تقلدت سابقا منصب نائبة رئيس الفدرالية الدولية لرابطات حقوق الإنسان، وبعدها كاتبة عامة للفدرالية نفسها، وهي أول امرأة مغربية ترأست منظمة حقوقية وطنية، حيث تم انتخابها على رأس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، لولايتين متتاليتين. وفي فترة سابقة، كانت السيدة بوعياش عضوة مكلفة بالتواصل في ديوان الوزير الأول السابق، السيد عبد الرحمان اليوسفي، كما عملت صحافية ومستشارة في مجال التواصل المؤسساتي.
أما سيدة الأعمال المغربية ونائب رئيس جمعية سيدات الأعمال بالمغرب منذ سنة 2012، نزهة حياة، فحصلت على المرتبة السادسة ضمن أقوى السيدات العربيات سنة 2017، حسب “فوربس الشرق الأوسط”. واختارتها مجلة “جون أفريك” الفرنسية لتكون ضمن قائمة أقوى 25 امرأة في إفريقيا لعام 2016.
انضمت إلى إدارة “الشركة العامة في المغرب” عام 2007، لتكون أول امرأة تحتل هذا الموقع الإداري والمالي، وشغلت منصب رئيس الإدارة في بنك “سوسيتيه الجنرال” في المغرب بين 2013 و2016، بالإضافة إلى توليها مناصب أخرى جعلت منها مغربية مؤثرة رائدة في عالم الأعمال والمال.
هؤلاء السيدات لسن الوحيدات التي سطرن أسماءهن في الأوساط المجتمعية والسياسية والاقتصادية المغربية، وإن كان العدد بسيطا جدا، إلا أن هناك أمثلة حقيقية وحية أخرى استطاعت أن تعزوا مراتب الريادة والقيادة على الصعيد المغربي.
وعلى الرغم من التقدم المحرز في مسار تمكين المرأة المغربية، لا تزال التحديات قائمة، خصوصا على المستوى الاقتصادي، حيث لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق العمل 23،5 بالمائة، وهي نسبة تقل عن المتوسط العالمي، بينما تستمر الفجوة في الأجور بين الجنسين، مما يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق المساواة الاقتصادية الفعلية.
أن العوائق الاجتماعية والثقافية لا تزال تلقي بظلالها، إذ تعيق بعض الأعراف والتقاليد وصول المرأة إلى مناصب قيادية أو الدخول بقوة في سوق العمل، خاصة في المناطق القروية. مع ذلك، تسعى الدولة إلى تعزيز ريادة الأعمال النسائية من خلال مبادرات مثل “مقاولتي”، بالإضافة إلى جهود دعم النساء في تأسيس التعاونيات والمشاريع الخاصة.
فبين تطور القوانين وصمود التحديات، يبقى نضال المرأة المغربية مستمرًا لإثبات ذاتها وترسيخ حقوقها على أرض الواقع. وعلى رغم الإنجازات المهمة، لا تزال الفجوة قائمة بين التشريعات والممارسات، مما يجعل المعركة من أجل التمكين الحقيقي معركة وعي وإرادة جماعية. ثم إنه على المدى البعيد، تبقى الرهانات الكبرى متمثلة في تعزيز التمكين الاقتصادي، ومراجعة السياسات لضمان تكافؤ الفرص، إلى جانب تغيير العقليات المجتمعية لضمان مشاركة أكبر للمرأة في مختلف المجالات. فهل يشهد المستقبل المغربي تحولات جذرية تتيح للمرأة تحقيق طموحاتها دون عوائق؟
المصدر : https://www.doukkala24.com/?p=25973